مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي

139

موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )

« أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ » « 1 » فكذبهما واضح ؛ لوضوح أنّ إبراهيم لم يكن سقيماً ، وأنّهم لم يسرقوا صواع الملك ، فهما من الكذب الجائز لمصلحة الإصلاح . وأمّا قول إبراهيم : « بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ » « 2 » فلأنّ الشرط فيه إمّا أن يرجع إلى قوله : « فَسْئَلُوهُمْ » أو إلى قوله : « فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ » ، فعلى الأوّل تنحلّ الآية إلى قضيّتين : إحداهما حملية ، وهي قوله تعالى : « بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا » . والثانية إنشائية شرطية ، وهي قوله : « فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ » ، والأولى كاذبة لكونها غير مطابقة للواقع ؛ إذ لم يفعله كبيرهم ، والثانية إنشائية لا تتّصف بالصدق والكذب . وعلى الثاني : أي رجوع الشرط إلى قوله : « فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ » كانت الآية قضية شرطية واحدة وهي ( إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم ) ومن المعلوم أنّ صدق القضية الشرطية دائر مدار صحّة الملازمة المدلول عليها وعدمها ، ولا شبهة في عدم صحّة الملازمة بين المقدّم والتالي في هذه القضية ؛ إذ لا ملازمة بين نطقهم وبين كسر كبيرهم الأصنام ؛ إذ الفعل قد صدر من إبراهيم عليه السلام على كلّ حال « 3 » . أمّا الآية الأولى والثانية فقد مرّ المراد منهما - وهو ما صرّحت به بعض الأخبار - من أنّ إبراهيم كان سقيماً في دينه لارتياده ، وأنّ العير - أي إخوة يوسف - كانوا سارقين ليوسف من أبيه ، وليس في الآية اتّهامهم بسرقة صواع الملك ، بل فيها أنّهم سألوا ماذا تفقدون « قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ » « 4 » ، ولم يقولوا : سرقتم ذلك « 5 » . وأمّا الآية الأخيرة فقد أجيب عنها تارة بأنّ أمثال هذا الكلام من إبراهيم عليه السلام وغيره إنّما هو من قبيل التعليق على أمر محال لإثبات أنّ المعلّق عليه محال ، لا لإثبات الملازمة ، فالكلام سيق لبيان نفي الفعل لكونه معلّقاً على أمر محال ، لا لبيان تحقّقه بتحقّق المعلّق عليه ، وذلك نظير قوله تعالى : « وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ

--> ( 1 ) يوسف : 70 . ( 2 ) الأنبياء : 63 . ( 3 ) انظر : مصباح الفقاهة 1 : 401 . ( 4 ) يوسف : 72 . ( 5 ) انظر : مصباح الفقاهة 1 : 402 - 403 .